مدرسة أولاد مطاع العتيقة وشيخها محمد الطويل.. منارة للقرآن والعلم
مسيرة علمية وتربوية في خدمة كتاب الله وطلبة العلم
في رحاب جبال الحوز، حيث ارتبطت حياة الناس منذ أجيال بالقرآن والعلم وحلقات التعليم، تواصل المدرسة العلمية العتيقة بأولاد مطاع أداء رسالتها في خدمة كتاب الله وتدريس العلوم الشرعية واللغوية، محافظة على جانب من الذاكرة العلمية للتعليم العتيق بالمغرب.
وتجسد المدرسة جانبًا من الدور الذي اضطلعت به المدارس العتيقة المغربية في تحفيظ القرآن الكريم، وتكوين الطلبة في العلوم الشرعية واللغوية، وإعدادهم لمهام التعليم والإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد.
مدرسة أولاد مطاع.. أصالة تتجدد
شهدت المدرسة، ولا سيما منذ انتقالها إلى مقرها الجديد سنة 1999، تطورًا مهمًا في بنيتها وتجهيزاتها، بفضل جهود القائمين عليها والمحسنين، لتستوعب أعدادًا متزايدة من طلبة العلم.
وتضم المؤسسة حجرات دراسية ومكاتب إدارية، وخزانة للكتب، وقاعة متعددة الاستعمالات، وقاعة للإعلاميات، ومرافق لإيواء الطلبة وإطعامهم، إلى جانب مرافق صحية وخدماتية أخرى.
وهي مؤسسة خاصة تعتمد نظام التصنيف الوزاري، وقد يصل عدد الطلبة بها في بعض المواسم إلى نحو خمسمائة طالب، في بيئة تعليمية تجمع بين التحصيل العلمي والإقامة والتربية.
مسار تعليمي يجمع بين القرآن والعلم
يقوم التعليم العتيق على مسار تربوي متدرج، يجمع بين العلوم الشرعية واللغوية والمقررات الحديثة، بما يتيح للطالب بناء تكوين علمي متوازن ومواصلة دراسته عبر مختلف المراحل التعليمية.
التعليم الأولي العتيق: مرحلة التأسيس، وفيها يتلقى الطفل المبادئ الأولى للقراءة والكتابة ويحفظ ما تيسر من القرآن الكريم.
التعليم الابتدائي العتيق: مرحلة ترسيخ حفظ القرآن الكريم ودراسة المتون والعلوم اللغوية والشرعية الأساسية.
التعليم الإعدادي العتيق: مرحلة يتوسع فيها الطالب في دراسة الفقه والنحو والتفسير والحديث، إلى جانب المقررات الحديثة.
التعليم الثانوي العتيق: مرحلة متقدمة من التكوين، يواصل فيها الطالب تحصيله استعدادًا لمتابعة الدراسة في الأطوار العليا.
وتتميز منظومة التعليم العتيق بالمزاوجة بين أصالة العلوم الشرعية واللغوية والاستفادة من المقررات الحديثة، بما يساعد الطالب على الجمع بين التكوين الديني والعلمي والاستعداد للحياة الاجتماعية والمهنية.
الشيخ محمد الطويل.. مسيرة في خدمة القرآن
يرتبط تاريخ المدرسة في مرحلتها الحديثة باسم الشيخ الفقيه محمد الطويل، الذي قدم إلى زاوية أولاد مطاع سنة 1999، بعد مسيرة علمية قضاها في طلب العلم والتنقل بين عدد من المدارس العتيقة.
ولد الشيخ محمد الطويل سنة 1950 بدوار أيت نبضاس بخزامة، بين تارودانت وورزازات، وحفظ القرآن الكريم في صغره على يد عمه الفقيه عبد الرحمن بن العربي المجاطي.
ثم واصل تحصيله العلمي متنقلًا بين عدد من المدارس العتيقة، وكان آخرها المدرسة النحلية بمزوضة، حيث قضى سبع سنوات في الدراسة، ليتخرج منها سنة 1972 وقد ضبط القرآن الكريم وحفظ عددًا من أمهات المتون العلمية واللغوية والشرعية.
من الإمامة والتدريس إلى الإشراف على المدرسة
بعد سنوات من العمل في الإمامة والمشارطة بعدد من المناطق، قدم الشيخ محمد الطويل إلى مسجد الزاوية بأولاد مطاع سنة 1999، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته العلمية والتربوية.
ومنذ ذلك الحين، جمع الشيخ بين عدد من المهام؛ فهو إمام مسجد المدرسة ورئيس جمعيتها والمشرف على تدبيرها، كما يواصل حلقات التعليم والتحفيظ، ويتابع شؤون الطلبة، ويستقبل الضيوف والزائرين، ويمثل المدرسة في مختلف المجالات.
ويشمل عمله العلمي تدريس القرآن الكريم والنحو والفقه المالكي، إلى جانب متابعة الاستظهار وكتابة ألواح القرآن وتصحيحها، وهو ما يعكس استمرار عدد من تقاليد التعليم العتيق في البيئة المغربية.
«حين يجتمع حفظ القرآن مع العلم والتربية، تتحول المدرسة العتيقة إلى جسر يصل الأجيال بكتاب الله وتراث العلم.»
مدرسة تتوارث فيها الأجيال رسالة العلم
لا تختزل مدرسة أولاد مطاع رسالتها في حفظ القرآن الكريم وحده، بل تواصل وظيفة علمية وتربوية ارتبطت تاريخيًا بالمدارس العتيقة المغربية؛ من تحفيظ كتاب الله، إلى دراسة العلوم الشرعية واللغوية، وتكوين الطلبة وإعدادهم لخدمة المجتمع في مجالات التعليم والإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد.
ومن خلال هذه الرسالة، تستمر المدرسة في احتضان طلبة العلم وتوفير بيئة تساعدهم على مواصلة مسارهم العلمي، بينما يظل الشيخ محمد الطويل أحد الوجوه المرتبطة بمرحلتها الحديثة، جامعًا بين التعليم والتحفيظ والإمامة والتربية والتدبير.
خاتمة.. أثر يبقى وأجيال تتعاقب
إن مدرسة أولاد مطاع العتيقة تمثل صفحة من صفحات التعليم العتيق بالمغرب، بما راكمته من تجربة علمية وتربوية، وما تحتضنه من طلبة، وما تضطلع به من خدمة للقرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغوية.
أما الشيخ محمد الطويل، فقد ارتبط اسمه بهذه المدرسة منذ سنة 1999، مواصلًا فيها مسيرة بدأت بحفظ كتاب الله وطلب العلم، لتتجسد بعد ذلك في التعليم والتحفيظ والإمامة والتربية والتدبير.
وهكذا تظل مدرسة أولاد مطاع شاهدًا على استمرار رسالة المدرسة العتيقة المغربية، حيث تتعاقب الأجيال، ويبقى القرآن الكريم محورًا للتعلم والتربية، وتظل خدمة كتاب الله وأهله من أجلّ وجوه العطاء العلمي والتربوي.
مدونة أئمة المغرب
منصة تُعنى بخدمة القرآن الكريم، وإبراز رسالة الأئمة والعلماء والقراء، والتعريف بمؤسسات العلم والتعليم العتيق بالمغرب.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
نسعد بتعليقاتكم ومقترحاتم تهمنا