ثلاثون عامًا من العطاء في الإمامة والخطابة.. مسيرة إمام في بيوت الله - أئمة مروك -->
أحدث المواضيع
انتظار..

ثلاثون عامًا من العطاء في الإمامة والخطابة.. مسيرة إمام في بيوت الله


بقلم: الفقيه محمد بن عبد السلام الخيلي
إمام وخطيب ومؤذن بمسجد تنفردة – قيادة بني عياط، دائرة أفورار، إقليم أزيلال، المملكة المغربية

ثلاثون عامًا في بيوت الله

شهادة وفاء ومسيرة حافلة بالإمامة والخطابة والأذان وخدمة المصلين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

يقول الحق تبارك وتعالى، وهو أصدق القائلين:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[فصلت: 33]

ويقول جل جلاله في بيان فضل عمارة المساجد والقائمين على شعائرها:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾
[التوبة: 18]

محطة وفاء ومسيرة ثلاثة عقود (1996 – 2026)

في مثل هذا اليوم، 21 شتنبر 1996م، وضعت أولى خطواتي في محراب بيوت الله، حاملاً أمانة التبليغ والرسالة، ومستشعرًا شرف خدمة بيوت الله والقيام بشعائرها.

واليوم، ونحن في 21 شتنبر 2026م، تكتمل بحمد الله وتوفيقه ثلاثون سنة كاملة من العطاء المستمر، والخدمة الدؤوبة، والمرابطة في مساجد الرحمن بين الإمامة والخطابة ورفع الأذان.

ثلاثة عقود من الزمن قضيت فيها زهرة الشباب، وخبرت فيها ريعان الكهولة، وها أنا ألج أعتاب الشيخوخة، وقد علا الشيب رأسي، وما زال قلبي، بفضل الله، معلقًا بالمحاريب، متصلًا برحاب الذكر والمنابر.

وأستحضر في هذه المسيرة ما جاء عن رسول الله ﷺ:

«الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن».

كما نستبشر بما صح عن النبي ﷺ:

«المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة».

من مسجد الزرائب إلى مسجد تنفردة

انطلقت هذه المسيرة الإيمانية من أول بيت لله توليت فيه الإمامة والخطابة، وهو مسجد الزرائب بدوار الزرع والزيتون، بإقليم أزيلال.

ثم قادتني رحلة الدعوة وخدمة المصلين عبر عدد من المساجد والمحطات العامرة بجهة بني ملال خنيفرة، ومنها:

  • جماعة سيدي عيسى.
  • جماعة سيدي حمادي.
  • جماعة أولاد ناصر.
  • جماعة أولاد بورحمون.
  • جماعة بني عياط.

وقد بلغ مجموع المساجد التي تشرفت بخدمتها خلال هذه المسيرة نحو ثمانية مساجد.

إلى أن استقر بي المقام اليوم في مسجد تنفردة، التابع لقيادة بني عياط، بدائرة أفورار، بإقليم أزيلال، تحت إشراف وتأطير المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بأزيلال والمجلس العلمي المحلي بأزيلال.

الإمامة في المغرب.. رسالة تتجاوز الوظيفة

لم تكن الإمامة بالنسبة إليّ يومًا مجرد وظيفة تؤدى، بل كانت ولا تزال عهدًا وميثاقًا ورسالة حياة، عشت تفاصيلها مع الناس في مختلف أحوالهم ومناسباتهم.

الإمام والمصلون في الطاعات والشعائر

كنا صفًا واحدًا في الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، وكبرنا معًا في مصليات العيدين، وتضرعنا بخشوع في صلوات الاستسقاء، مستمطرين سحائب الرحمة والمغفرة.

الإمام حاضر في أفراح الناس

شاركنا الأهالي أفراحهم ومسراتهم في مناسبات العقيقة والأعراس والولائم والمحافل الاجتماعية، ندعو للبيوت بالبركة، وللذرية بالصلاح، وللألفة والمحبة بالدوام.

الإمام حاضر في الأتراح ولحظات الوداع

وقفنا إلى جانب أهلنا وإخواننا في أصعب اللحظات، حين ينزل القضاء المحتوم، فقمنا بما تيسر لنا من خدمة الموتى؛ من تغسيل وتكفين وصلاة على الجنائز، والمشي في مواكبها، ومواراة أصحابها الثرى، ابتغاء وجه الله تعالى واحتسابًا للأجر عند من لا يضيع أجر المحسنين.

وفي هذه المواطن، كنا نستحضر فضل القيام على شؤون الميت وتجهيزه، وما يحمله ذلك من معاني التكافل والتراحم بين المسلمين.

رسالة شكر إلى المصلين وأهل القرى والدواوير

امتثالًا للتوجيه النبوي الشريف:

«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».

أتوجه بأصدق عبارات الشكر، وأسمى معاني الامتنان والتقدير، إلى كل القبائل والدواوير وأهل القرى والرواد الكرام الذين صلوا وراءنا وشاركونا هذه المسيرة الطيبة على امتداد السنين.

لقد كنتم نعم الأهل والسند، وغمرتمونا بحسن الضيافة، وجزيل الكرم، وعظيم الإجلال لحرمة بيوت الله وحملة كتاب الله.

رعيتم حق الإمام، وأحسنتم العشرة، وكنتم، بعد عون الله وتوفيقه، سببًا في ثباتنا وصبرنا على أداء هذا الواجب الجليل.

فجزاكم الله عنا وعن بيوت الله خير الجزاء، وبارك الله في أعماركم، وأصلح ذرياتكم، ووسع في أرزاقكم، وجعل كل خطوة خطوتموها إلى المساجد رفعة في درجاتكم وحطًا لخطاياكم.

وإن كانت هذه الكلمات لا تفيكم حقكم، فإنها تحمل شيئًا مما في القلب من وفاء وامتنان بعد سنوات طويلة جمعتنا بكم في رحاب المساجد.

ثلاثون عامًا بين المحراب والمنبر والمئذنة

حين يستعيد الإنسان شريط ثلاثين سنة من حياته، يدرك أن الأعوام تمضي سريعًا، وأن ما يبقى منها ليس عدد الأيام والسنين، وإنما ما أودعه فيها من عمل صالح، وما تركه من أثر طيب في نفوس الناس.

ثلاثون عامًا مرت بين محراب ومنبر ومئذنة، وبين صلاة ودعاء وخطبة وأذان، وبين أفراح وأتراح، وبين أجيال تعاقبت ووجوه أحببناها وافتقدنا بعضها مع مرور الزمن.

وما ذلك كله إلا فضل من الله وتوفيق، نسأله سبحانه أن يتقبله منا، وأن يجعل ما مضى خالصًا لوجهه الكريم.

رسالة الإمام وخدمة بيوت الله

إن خدمة بيوت الله والإمامة والخطابة من المهام التي تتصل بحياة الناس اليومية، فالإمام لا يلتقي بالمصلين في أوقات الصلاة فحسب، بل يعيش معهم كثيرًا من محطات حياتهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويكون حاضرًا في المناسبات الدينية والاجتماعية.

ومن هنا كانت الإمامة بالنسبة إلينا رسالة ومسؤولية، نسأل الله أن يعين كل من يحملها على أدائها بما يرضيه، وأن يجعل المساجد منارات للذكر والعلم والصلاح، وأن يوفق أئمة المسلمين ومؤذنيهم وخدام بيوت الله لكل خير.

خاتمة ودعاء

نسأل الله العلي القدير، الذي وفقنا لخدمة بيوته طيلة هذه السنين، أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعل ما مضى شاهدًا لنا لا علينا، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل.

اللهم كما أكرمتنا بشبابنا وكهولتنا في بيوتك، فأتمم علينا نعمتك بختام الصالحات، وثبتنا على طاعتك، واختم لنا بحسن الخاتمة، ونحن على طاعتك، خادمين لبيوتك، قائمين بما استطعنا من واجبنا في خدمة دينك وعبادك.

اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، وارحم موتانا وموتى المسلمين أجمعين، وبارك في أئمة المسلمين ومؤذنيهم وخدام بيوت الله، وأعنهم على أداء رسالتهم، واجعل المساجد عامرة بذكرك وعبادتك.

اللهم اجزِ خير الجزاء كل من أعاننا أو أحسن إلينا أو وقف إلى جانبنا في هذه المسيرة، وبارك في أهل القرى والدواوير والمساجد التي جمعتنا بهم، واجعل ما كان بيننا من صحبة ومودة وعبادة في ميزان حسنات الجميع.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نسعد بتعليقاتكم ومقترحاتم تهمنا