خطبة مكتوبة حول :ابتلاء الله للمومنين
إنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى جعلَ الدنيَا دارَ ابتلاءٍ وامتحانٍ للإنسانِ، ليُحسنَ فيهَا العملَ ، فطوبى لمن أحسن وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، يقولُ سبحانَهُ في مطلع سورة الملك : {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ}
بسم الله الرحمن الرحيم
أصل الخطبة: للأخ الفاضل : محمد زراك إمام وخطيب بتارودانت وحصل موقع أئمة ماروك على نسخة منه بإشارة من الأخ الكريم جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء ألقيت في 12 جمادى الأول 1435هـ الموافق لـ 14 مارس 2014 تحت عنوان : المومن يصاب ، ولعلها تكون رهن إشارة السادة الخطباء في مناطق أخرى وغيرهم للإستفاة منها وجزى الله خيرا كاتبها وقارئها وناشرها آمين .
الحمد لله الواحد الديان، ونشهد أن لا إله إلا الله جعل الناس عرضة للابتلاء والامتحان، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق فكان خلقه القرآن، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق والإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القسط والميزان.
أمَّا بعدُ : فأوصيكُمْ ونفْسِي بتقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
أيُّهَا المسلمونَ : إنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى جعلَ الدنيَا دارَ ابتلاءٍ وامتحانٍ للإنسانِ، ليُحسنَ فيهَا العملَ ، فطوبى لمن أحسن وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، يقولُ سبحانَهُ : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ فالمؤمنُ يدركُ أنه خُلِقَ فِي هذهِ الدنيَا ليعملَ صالِحًا ، وأنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللهِ تباركَ وتعالَى ، وقدْ أوصانَا حبيبُنَا المصطفَى بوصيةٍ عظيمةٍ فَقَالَ :« كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ .
عبادَ اللهِ : مَا مِنْ يومٍ يَمرُّ علَى الناسِ فِي هذهِ الدنيَا إلاَّ وتجدُ أحوالَهُمْ تتقلبُ فيهَا، فالدنيَا لاَ تخلُو مِنْ صفاءٍ وكدَرٍ، ويُسْرٍ وعُسْرٍ، وأفراحٍ وأحزانٍ، وفِي كلِّ يومٍ يولدُ أناسٌ ويموتُ آخرونَ، ويربحُ أناسٌ ويخسرُ آخرونَ، فهذَا يضحكُ ، وذاكَ يبكِي ، وهذَا سعيدٌ ، وذاكَ حزينٌ، فهذهِ هيَ الدنيَا ، وهذهِ هيَ حقيقتُهَا، فكيفَ يتعاملُ معَهَا المسلمُ ؟
فأولُ مَا يجبُ علينَا : الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ ، فالسعيدُ مَنْ عرفَ الدنيَا حقَّ المعرفةِ ورضِيَ بِمَا يصيبُهُ فيهَا مؤمنًا بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ، يعلمُ أنهُ لاَ يصيبُهُ إلاَّ مَا قدْ كتبَهُ ربُّهُ عليهِ مِنْ خيرٍ أوْ شرٍّ، قالَ تعالَى : قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ فإذَا قدَّرَ اللهُ تباركَ وتعالَى أمرًا علَى عبادِهِ فإنهُ واقعٌ لاَ محالةَ ، يقولُ رَسُولُ اللَّهِ :« وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ »
ومِمَّا يجبُ علينَا كذلكَ : الشكرُ فِي السراءِ ، والصبرُ فِي الضراءِ، فالمؤمنُ إذَا تعاقبَتْ عليهِ الأيامُ بِمَا فيهَا مِنْ خيرٍ أوْ شرٍّ لاَ تراهُ إلاَّ شاكرًا فِي السراءِ صابراً فِي الضراءِ ، فيكونُ مأجورًا فِي جميعِ أحوالِهِ ، ويتحققُ لهُ الخيرُ ، يقولُ رَسُولُ اللَّهِ :« عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ ».
ففِي الرخاء يُكثِرُ مِنْ حمْدِ وشكرِ علام الغيوب ، وعندَ البلاءِ يصبرُ معَ مَا فِي المصيبةِ مِنْ روعةٍ تَهزُّ القلوبَ، إلاَّ أنهُ مؤمنٌ لاَ يسخطُ ولاَ يجزعُ، ولاَ يقولُ إلاَّ مَا يُرضِي ربه ، فعندمَا مَرَّ النَّبِىُّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ :« اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى ». قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّى ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِى، وَلَمْ تَعْرِفْهُ . فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِىُّ . فَأَتَتْ بَابَ النَّبِىِّ ... فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ . فَقَالَ :« إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى ».
أيُّهَا المسلمونَ : والبلاءُ قدْ يقعُ علَى الصغيرِ أوِ الكبيرِ ، وقدْ يقعُ علَى الرجلِ أوِ المرأةِ ، يبتلى المرء على حسب دينه ،روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صُلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة
وقد تحمل النبي الشدائد وهو في مكة، وتحملها وهو في المدينة، كما عانى قبله الأنبياء، وبعده العلماء، في سبيل دعوتهم إلى الله، فلا تكاد تخلو ترجمة عالم من محنة عذب فيها في سبيل الله.
فهذا إمامنا مالك بن أنس ابتلي في آخر حياته في مسألة أفتى فيها، فضرب ثمانين ضربة حتى خلعت يده اليمنى، فأصبح لا يستطيع أن يضمها.
الإمام الشافعي حمل مقيداً بالحديد من اليمن إلى بغداد إلى هارون الرشيد في تهمة باطلة.
و سعيد بن المسيب شُهِّر على جمل وقد قلبوا وجهه إلى ظهر البعير، ويجلدونه بالسياط وهو يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ولذلك أكثر الناس انهزاماً عند البلاء، الذين لا يعرفون قصص الصالحين والأنبياء، فالبلاءَ سنةٌ ماضيةٌ إلَى يومِ القيامةِ ، وفِي ذلكَ يقولُ رَسُولُ اللَّهِ :« مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.فاللهم اغفر ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيم لِي ولكُمْ وللمسلمِينَ.
الثانية
الحمد لله رب العالمين...
أما بعد فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه مما يجب على المؤمن، أن يعلم الله تعالى إذا أراد الله بعبد خيراً أصابه ببلاء،وقطع عنه أسباب الأرض، فتصبح المشكلة بلا حل، لأن الله يريد أن يلفته إلى باب السماء, فيلجأ إلى الله بالدعاء، و هذه سنة الله في خلقه.
سيدنا يونس عليه الصلاة و السلام, تنقطع عنه أسباب النجاة في بطن الحوت، فدعا ربه ﴿ لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
سيدنا أيوب عليه السلام, يعجز الأطباء عن علاجه، فدعا ربه ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾
سيدنا زكريا عليه السلام حرم من الولد وكبر سنه وامرأته عاقر و تنقطع عنه كل الأسباب، فدعا ربه ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾حينما تتعرض لك فتنة وتضيق عليك الحياة, فاعلم أن الله يريد أن يسمع صوتك, ويرى كفيك مرفوعتين، مصداقا لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ...
وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابِةِ الأَكْرَمِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ للخير أمير المؤمنين محمدا السادس، اللهم أَدِمْ عَلَيْهِ مَوْفُورَ الصِّحْةِ وَالْعَافِيَةِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا فِي حِفْظِكَ وَعِنَايَتِكَ، وبارك له في ولي غهده مولاي الحسن وفي كافة اسرته الشريفة....
اللَّهُمَّ احْفَظْ بلدنا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَدِمْ عَلَيْنا الأَمْنَ وَالأَمَانَ وَعلَى سَائِرِ بِلاَدِ الْمسلمين
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا ولأشياخنا ولأحبابنا ولموتانا ولمن له حق علينا وللمسلمين أجمعين
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اشْمَلْ بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ وَرَحْمَتِكَ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَجَمِيعَ أَرْحَامِنَا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة الأستاذ الكريم سيدي محمد رزاك
من مواليد 1987 بتكاديرت ضواحي أكادير المغرب، حفظ القرآن الكريم كاملا وعمره 13 سنة، على يد شيخه الجليل سيدي حفيظ أومريبط، ثم درس على يده علم التجويد والفقه المالكي والنحو والميراث والتفسير والحديث والعروض والخطابة وغير ذلك من العلوم التي يحتاجها إمام المسجد،ثم انتقل إلى الشيخ سيدي عبد الله بنطاهر بأكادير فدرس عنده ما تيسر له من العلوم ، وفي سنة 2008 تم تعيينه إماما وخطيبا وواعظا بالمسجد الكبير بأولاد برحيل عمالة تارودانت،ومدرسا ومشرفا على المدرسة العتيقة التابعة لهذا المسجد، وفي سنة 2009 حصل على تزكية الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد من المجلس العلمي المحلي لتارودانت، وخلال هذه السنوات2009 و2010 و 1011و2012 شارك في عدة تكوينات نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية حول: منهجية بيداغوجية للتدريس بالمدارس العتيقة، وفي سنة 2012حصل على شهادة الباكلوريا للتعليم العتيق، ثم التحق بجامعة ابن زهر بأكادير. ونسأل الله عز وجل أن يوفقه ويسدد خطاه وييسر أموره ليوفق بين مساره الدراسي الجامعي ، وبين مهامه الدعوي والتعليمي ، إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
نسعد بتعليقاتكم ومقترحاتم تهمنا